Home / إفتتاحية / حمام الفن..

حمام الفن..

شن طن : يكتبة.. مصطفى بوزيدي

أتذكر..
أتذكر بفخر حمام الفن.. الحمام الذي ظل عالقا في ذاكرتي مثلما تعلق رائحة عطر نسائي بمخيلة عاشق.. والذي أصبح اليوم واحدا من معالم مدينة البيضاء..
في حي سباتة، لا يمكن أن تذكر شارع الشجر وشارع وادي الذهب وتغفل ذكر اسم هذا الحمام.. يعرفه البيضاويون كثيرا ويحفظ اسمه كل الزوار.. وهو المكان الوحيد الذي قد لا تحتاج معه لمرشد سياحي، لعنوان عريض كي تصل إليه في أسرع الأوقات…
أتذكر هذا الحمام، الذي كان يختلف عن غيره.. كان والدي رحمه الله يحبه كثيرا.. ويفضله عن كل الحمامات المجاورة.. وكان لزاما علي أن أرافقه إليه كل يوم أحد.. بعد أن لم تنفعني معه كل جمل الاستعطاف كي يعفيني من الذهاب.. ولم تنفعني حتى محاولات الاختباء في البيت.. تارة في السطح وتارة أخرى تحت السرير.. كان الأمر بالنسبة لي رحلة عذاب.. أربع ساعات من الغياب عن الأصدقاء.. تحرم معها من متابعة اللعب مع أبناء الجيران..
وفي هذا الحمام، كان يتم منحك حينها “صندالة ديال العود” عند الباب كي لا تحترق أصابعك، فقد عرف الحمام حينها بحرارته المرتفعة.. وكنت مجبرا على أن استلقي في القاعة الأخيرة حيث (البرمة).. أتقلب على الجنبين.. حتى كنطيب على خاطري.. وانتظر أن يستيقظ والدي من غفوته حينا كي تبدأ عملية (الحكان). وتلكم سادتي واحدة من حكايات زمان..
قبل ذلك، كنا نقصد أقرب دكان لنشتري الصابون وكريبات ديال شامبوان دوب، كان والدي يمنحني حرية اختيار الألوان.. كان الإصرار كبيرا على أن نغتسل من كل الأوساخ.. ولو تطلب منا الأمر قضاء أربع ساعات في الحمام..
وحين كانت تشتد الحرارة داخل القاعة الأخيرة، كان علي أن أطلب بخوف من والدي لحظة لاسترجاع الأنفاس.. وكان الاتفاق على ألا أغادر قاعات الحمام.. ولكنني كنت أخرج للجلوس في مكان بارد حيت يحلو الاستمتاع بأحاديث كل المستحمين.. كنت أتمرد على الدقائق.. فالعودة إلى جانب “البرمة” حيث ينتظرني الوالد أمر صعب لا يحبه كل الأطفال.. كان جسمي في الحمام وعقلي مع أبناء الجيران…
كان والدي يكتشف خروجي إلى مكان بارد، كان يضع يده على صدري ويتحسس حرارة جسمي قبل أن يكافئني على تمردي بصفعات تظل آثارها بادية على خدي حتى نخرج من الحمام.. وكان علي أن أتحمل دقائق طويلة تكاد أن يتغير معها جلدي من كثرة الحكان.. لتأتي مرحلة وضع الصابون لتكمل فصول عذاب أخرى.. أغمض معه عيني وينقطع معها التنفس أيضا.. ويستمر والدي في وضع الصابون على باقي جسمي قبل أن يرحمني رحمة الله عليه بسكبه بعض الماء على رأسي.. ولا تتفتح أسارير وجهي إلا حين الخروج من الحمام..
كان والدي، رجلا طيبا كريما، كان يكافئ صبري على ساعات المعاناة في حمام الفن بمونادا جيدور وكاليطة.. كان الأمر حينها مدعاة للفرح والنسيان..
تذكرت ذلك وأنا أغادر البيت هذا الصباح، بعد الاستحمام في البيت رفقة ولدي الصغير.. كان يبكي بشراهة ويطلب مني أن يكون الماء دافئا وألا يعبر الصابون إلى أنفه.. ويستحسن الاستغناء عن الشامبوان.. وعادت بي الذاكرة سريعا إلى الاستحمام أيام زمان.. استجبت لمطالبه.. وقلت له “غير فالدار واش درتي، عندك الزهر ما دخلتيش مع “با” لحمام الفن”.

About الصباح 24

شاهد أيضا

الحي المحمدي فاش مورادي..

مصطفى بوزيدي لا أعرف، كيف أجدني مشدودا لسينما السعادة كلما مررت بجانبها كل صباح، لا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *