Home / أقلام حرة / مصداقية العمــــــل البرلمـــاني

مصداقية العمــــــل البرلمـــاني

يـوسف كــريم

قال عبد الهادي بوطالب يوما بانه “يرى أن البرلمان
يمضي أوقاته في نقاش عقيم ويتعثر سيره في الحسابات السياسية”
مناسبة هذا الكلام ما حصل البارحة بالغرفة الأولى أثناء انعقاد الجلسة المتعلقة بلجنة المالية والتنمية
الاقتصادية لمناقشة مقترح قانون حول إلغاء وتصفية معاشات “نواب الأمة”. ولعل أهم ما كشفت عنه
الجلسة الخيرة هو الاستمرار في تكريس صورة سلبية عن المؤسسة التشريعية كفضاء للبوليميك
وللمزايدات السياسية العقيمة، وهو ما يتطلب إجراء قطيعة مع بعض المظاهر والسلوكات المشينة التي لا تزيد مصداقية هذه المؤسسة الدستورية إلا اهتزازا. حيث هاجم إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في
حزب العدالة والتنمية، بعض نشطاء “فيسبوك” متهما إياهم بـ”تبخيس دور المؤسسات”، قائلا: “واش
بغيتو البرلمانيين والحكومة والولاة والعمال والرؤساء والمدراء والموظفين يخدمو بيليكي وبدون أجر،
وفي نهاية الشهر ميلقاو مايوكلو والدهم”.
والحقيقة أنه لا يمكن الاطمئنان بالمطلق لمثل هذه التصرفات والسلوكات الصادرة، للأسف الشديد، عن
نائب برلماني، أنه مهما كانت حدة” التدافع السياسي” ، فإنه لا يبرر اللجوء إلى أساليب البهرجة و
الصراخ والبلطجة بالنظر لتداعياتها على الرأي العام الوطني والدولي..
في الدول العريقة ديموقراطيا، تحظى المؤسسة التشريعية بقدسية “رمزية كبيرة”، كما تلعب دورا أساسيا
سواء على الصعيد الداخلي من خلال إعداد السياسات العامة واعتمادها ومراقبتها وتتبعها وتقييمها، أو
على الصعيد الخارجي من خلال المساهمة في الإشعاع الدولي للبلد والدفاع عن مصالحه العليا. أما في
المغرب فيبدو أن “ممثلي الأمة” قد استقالوا مبكرا من هذه الوظائف، وبدل أن يتحملوا أمانة تمثيل الشعب
بكل مسؤولية باتوا يقضون معظم وقتهم في سجالات تغلب عليها المصالح الفئوية والحسابات الضيقة
والابيتزات الرخيصة.
الجسم البرلماني في المغرب مريض، تشوبه اختلالات عدة وشوائب جمة، وأخطرها عندما يفكر
البرلمانيون في أنفسهم وفي مصالحهم ومآربهم دون أن يتحرك فيهم الحس الوطني أو يتملكهم الشعور
بالمصلحة العامة، وفي سبيل الوصول إلى هذا المطمح الشخصي، فإنهم لا يعيرون كبير اهتمام للخطاب
المرفوع حول تخليق الحياة السياسية، ويعتبرون أنفسهم غير مطالبين بالحضور والمشاركة في العمل
التشريعي الذي انتدبوا من أجله ،و بمراقبة الحكومة، فهم برلمانيون وكفى..
إن الآمال التي فتحها دستور 2011، وقبله العهد الجديد حركت مغربا كان راكضا، وأضحى التغيير بمثابة
سحابة خير تتحرك في سماء البلاد، فقد سبق للملك أن أكد في إحدى خطبه الافتتاحية أن “النيابة عن
الأمة ليست امتيازا، أو ريع مركز، أو حصانة لمصالح شخصية، بل هي أمانة جسيمة والتزام بالصالح
العام”، وبالتالي فإن المطلوب من نواب الأمة وممثلي الشعب هو أن يكونوا في مستوى حجم الرهانات
والمسؤوليات التي ترتبط بطبيعة المرحلة وأهمية التحولات التي تعرفها الحياة الدستورية و السياسية ،
وتفعيل الحياة الديمقراطية وتطويرها والارتقاء بالعمل السياسي، والتجاوب مع انتظارات المواطنين في
التغيير الملموس على مستوى الخطاب والممارسة السياسية وتدبير الشأن العام بملفاته وقضاياه الكبرى
و ُمناقشة الملفات الإقتصادية والاجتماعية، وهو على النقيض من هذا الاستحقاق الخالقي القائم على
الصراع الأرعن والعراك الساقط على النحو الذي يجعل العمل البرلماني أشبه بالعروض الساخرة التي
يؤديها المهرجون لتسلية الجمهور ،وفي انتظار أن يبدأ العرض الديموقراطي البرلماني الحقيقي، فإن
المغاربة سيتذكرون بكثير من السخرية هذه الايام التي يتطاحن فيها البرلمانيون ويرفعون أصواتهم
بالصراخ والعربدة دفاعا عن معاشات “البيليكي”و “الديبخشي”.

About الصباح 24

شاهد أيضا

بالعربية تاعرابت : من حقنا الرقص

يوسف غريب ظهرت في الآونة الأخيرة راقصة تحمل اسم “هيام” ، و هذا الأمر ليس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *