Home / أقلام حرة / وجوه وراء الوجوه …!!

وجوه وراء الوجوه …!!

عبد الرحيم هريوي

حين يهرب المرء من برودة الجدران وسجن البيوت الصامتة نحو العالم الرحب هناك في الخلاء…!!

لا شيء يعيد للنفس سكونها وهدوءها وراحتها المفقودة مثل هذا الفضاء الجميل والممتد، الذي تأخذ فيه العيون حريتها وإنطلاقتها كي تجوب محيط الدِّيار، وتتمتع حينذاك بمنظر الخضرة وألوانها .. وترى حيثما ترى؛ كل ما خلق الرحمان وأبدعه للإنسان، وتنال حريتها كي ترى كل شيء بعيد..بعيد .. بعيد جدا، وهي التي ألفت سجن الجدران والحيطان  وبرودتها ، وتنال في خرجتها الأذن هي الأخرى فرصتها لسماع كل الأصوات الطبيعية الرائعة والجميلة، من أصوات عصافير متنوعة عهدناها ونحن أطفال صغار، كالزريع وبُو الدَّرْسْ والقُبَّارة وسطيلة ” الحسون ” والسنونو”الخطاف”..وبين الفينة والأخرى يترآى لك طائر الزريع وهو يصعد للأعالي ويتخذ لنفسه مسافة يحبها، وحينذاك يبدأ يغني بأصواته المعهودة  والبديعة كتعبير منه بفرحه الكبير بقدوم فصل الربيع ..!!

والإنسان وسط عالمه الطبيعي القُحِّ، يرخي السمع لأذنه كي تنصت ما شاءت من أصوات للطبيعة العذراء والرائعة دون تغيير ولا بلطجة من يد بني البشر، الذي جعل الحياة آلة من حديد بدون روح ..وحينها تنال الأذن حريتها  المفقودة كي تتخلص في مثل هذه الخرجات من سماع النهيق والصراخ والنباح والثرثرة ولغة التَّنابز والسب والشم والمظلومية ولغة الدموع التي تزيد من الطين بلة وترفع منسوب الضغط عبر زماننا المتأخر هذا.. وأينما توجه وجهك تجد سوى ملامح الصور لوجوه وراء الوجوه..وجوه النفاق..المضحكة..المبكية.. تلك الوجوه التي لا نكاد نبصرها بل لانحبها، ولا نحب أن نمعن فيها النظر.. لاعتبارات عديدة عبر السوق الأزرق الذي يعرف كثافة كبيرة من الرواد على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم وأفكارهم وسلوكياتهم ..سواء البالية منها والمتفسخة  والراشية أوالحديثة والحضارية – المتجددة …!!!!

لقاء هذه الأمسية ونحن نجوب أراضي العامريات بأولاد عبدون الفلاحية  عبر الطريق الوطنية سطات برشيد الدار البيضاء لا يشبهه أي لقاء، حين تجد نفسك وروحك معا في تواصل حميمي وهما في الخلاء الأخضر الممتد ، وأنت هارب بهما من برودة الجدران وكآبتها بل من وسط تلك السجون الصامتة التي بنيناها بأيدينا ولا نشعر في وسطها بالدفء المطلوب، لأن الحياة يجب أن تعاش خارج الأسوار الميتة التي لا تتكلم لغة الحياة الجميلة والطبيعية الأخرى التي يجب على الإنسان أن يسافر كي يبحث عنها هناك في الخلاء الطبيعي خارج الجدران والحيطان والأسوار الباردة…!

About الصباح 24

شاهد أيضا

رجل بقامة الدهر… وداعًا سي عبد الرحمان

لحسن حداد اخْتَلْت بك المنية في غفلة من أمرنا ذات صباح، هذا الصباح ونحن نئن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *