يكتبه : مصطفى بوزيدي

في الغربة تتشابه الأيام..
تتكلس العظام..
تكبر مساحة الأحلام..
وتتقلص دائرة الخلان..
الغربة.. عزلة.. نصف إضاءة..
في الغربة ، لست مضطرا لأن تكشف عن بطاقتك الوطنية، فأنت مقروء من طرف الجميع..
تسمى مهاجرا، مرة شرعيا ومرة أخرى غير شرعي… ويسميك البعض في إسبانيا مورووو..
في الغربة، لاخال ولا عم،، ولا أحباب..
عمل في الصباح.. تفكير في المساء.. وروتين قاتل طيلة النهار .
في الغربة، قد تنسى أن تمشط شعر راسك.. أن تحلق ذقنك.. ولاتغير ملابسك إلا في المناسبات الكبيرة..
العمل هنا عبادة..
السكن معضلة..
وطيور الفرح قد تغادر واحة قلبك إن كنت عاطلا..
في الغربة، تحاول أن تبني لنفسك وطنا جديدا.. أن تنسى بلدك الأصلي ،، تغضب منه حينا، وتحن إليه في أحايين كثيرة..
“وطني وإن جار علي عزيز”..
في الغربة.. تتعلم لهجة أجنبية،،
تتكلم الإيطالية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية..
وحين تتضخم أحزانك تغني بالعربية مع الراحل الغاوي .. “الغربة والعشق أناري.. جوج محاين أنا مولاهم”..
تمضي سنة.. عشرة.. عشرون سنة.. يغزو الشيب الأبيض شعر راسك.. ويتجعد وجهك،، يمضي شبابك وتتذكر طفولتك كلما مررت بحديقة العاب للأطفال.. وأنت الذي لم تعرف في طفولتك غير الزعلولة التي كانت أمام باب المدرسة .. تصبح الغربة ملاذا.. وبلد الهجرة موطنا..
تجمع أمولا.. وتنسى في لحظات لذة الحياة..
وتفكر في العودة من حيث أتيت، فهناك إخوة وعائلة وأصدقاء طفولة أصبحوا الآن شيوخا..
تحن إلى أيام زمان..
إلى براءة زمان..
وتردد بصوت مرتفع ما قالته لمشاهب : “أو بغيت بلادي ميمتي را الغربة ما تدوم” .
وتعود بعد طول تفكير وتردد إلى بلدك الأصلي.. فتجد أن جارك فلان قد مات.. وأن زميل الدراسة أقعده المرض في المنزل.. وان صديقك القوي أضعفته البطالة وتوارى عن الأنظار.. وان جارتك القديمة انتقلت للعيش بدار العجزة بعد أن تنكر لها كل الأبناء.. والحي لم يعد هو ذلك الحي الذي تعلمت الركض بين أزقته القديمة،، وداعبت الكرة في ملاعبه المتربة…
وقد يهديك البقال كارني ديال لكريدي، وبه 30 درهما سافرت قبل سنوات دون أن تدفعها لصاحبها..
وتجد فقط شبانا لم تعرفهم من قبل..
وأناس غرباء عنك.. وجيرانا جدد ..
ولا صديق ولا رفيق..
وقد لاتسمع غير شكوى المتدمرين.. ولا حديث إلا عن ارتفاع الأسعار.. والشوماج..
تصبح غريبا في بلدك..
غريبا حتى عن أقرب الناس إليك.. تنسى من أنت، وتتساءل لماذا عدت بعد طول غياب..
فتجمع حقائبك وتعود إلى بلاد المهجر من جديد..
إلى بلد احتضنك يوما حين جئت إليه مهاجرا، لاتعرف كيف تخرج من متاهة المشاكل.. وتبحث عن مساحة ضوء تحت شمس أوروبا..
تعود إلى بلد حفظ كرامتك.. وحققت فيه أحلامك.. ولكنه لم يمنحك دفء الوطن..
وتتمتم بكلمات غير مسموعة.. ما أصعب ليالي الغربة.. ومتى تشرق شمس الوطن؟
الصباح 24 جريدة إلكترونية مغربية