
يكتبه : مصطفى بوزيدي

اسمحوا لي سادتي الكرام أن أدعوكم لقراءة هذه المرثية الحزينة.. في ذكرى رحيل السوسدي ورويشة…
اسمحوا لي أن ألبس الكلمات رداء السواد..
وأدعوكم لقراءة الفاتحة على روح فنانين كبيرين استحقا جنازة كبيرة ومقرئين ودموع ألم..
في البيضاء، في واحد من مستشفيات هذا البلد السعيد.. أسدل خيط رفيع، أمسك في السماء واندثر.. وتحولت الأشياء إلى أثاث حزين.. كانت الزفرات تتصاعد لتبكي هذا الحظ الذي يتكوم مثل انتهاء أي حلم على طول المدى.. أسدل الستار حزينا غامق الألوان.. واحتضر شهاب جميل أمام أعيننا ببطء.. والمناسبة لم تكن سوى لحظة للبكاء.. كان محمد السوسدي عندليب لمشاهب.. وكل الكلام حداد..
في فمنا تسكن الكلمات صادقة.. تعلمنا أصول التعازي، وفن المواساة.. واليأس أكبر من مجموع كلمات… في تلك الليلة.. خرج السوسدي يجتر آلامه.. أحس الرجل بضيق في التنفس.. ركب سيارة أجرة وحين وصل إلى مستشفى محمد الخامس أخبر الطبيب المعالج بأن الموت يجثم على صدره.. استلقى الفنان فوق سرير.. وطلب كأس ماء، شربه واستسلم بعدها لنوم أبدي..
قبل موته بساعات التقيت الراحل في المقهى وحكى لي بحب عن رحلة الغناء مع لمشاهب، وعن حلمه الكبير في أن يصدر ألبوما غنائيا مع أبنائه.. وعن أولئك الذين أصبحوا يتحكمون في لمشاهب.. وتركوا أبناء المجموعة يعانون التهميش والانقسام.. ولم يكن يعلم حينها أن القدر لن يمهله ليسافر في صبيحة اليوم الموالي إلى مدن الشرق من أجل سهرات فنية.. ولن يصدح البلبل بعدها بلحن الوفاء..
كان السوسدي، صوتا جميلا.. زجالا رائعا وملحنا تمنحه أغاني لمشاهب نياشين الاستحقاق… كان الرجل يردد مع باطما “تتعنى بالليل لازم من الفجر.. تتعنى بالمال لازم من الفقر.. تتعنى بالعمر لازم من القبر”..
في جنازة الفقيد..استشعرت حجم الألم في أعين كل المحبين، في الدمع الذي يسكن حدقة العين.. كان السوسدي صديقا للجميع.. يبكي عشاقه مجدا فنيا لن تمحيه السنون.. وأحببنا جميعا ذلك الرجل الذي يحمل بنديرا والعرق يتصبب من جبينه ليتحفنا بأغنية “داويني”… ونردد معه اليوم بحزن (هاد الشي مكتوب والأجل وفاة)..
وفي اليوم نفسه.. كانت الأخبار تأتينا ملفوفة في كفن أبيض، لقد رحل فنان الأطلس المنفرد محمد رويشة.. كان الراحل قد غادر المستشفى بعد تحسن وضعيته الصحية ليعود إلى خنيفرة.. المكان الذي استلهم الفنان من جماله روائعه الفنية.. وكأن الرجل قد عاد ليموت في مدينته.. كان كل واحد يعدد في خشوع محاسن الرجل.. وكيف كان سخيا يفتح بابه لكل الفنانين والمحبين..
وتحول الجميع إلى الأنتيرنت ليعيدوا سماع أغان خالدة .. “بيني وبينك دارو لحدود.. وإناس إناس”…
رويشة..لملم حكاياته الممتعة.. وغادرنا إلى دار البقاء.. أمسك الوتر وعزف أنشودة الأطلس الأخيرة..
وفي المقبرة.. في موكب جنائزي كبير.. كان الوداع حزينا.. والألم لغة المعزين الوحيدة.. حضر الجميع ليلقوا على رويشة نظرة الوداع الأخيرة.. تضخمت أحزان عشاقه.. فرويشة لم يكن مجرد فنان عاد.. بل كان بحق واحدا من أضلاع فنية كبيرة في بلادنا.. وكم من فنان سابق حنطناه، ووضعناه في كفن.. وانتهت الحكاية بدفنه.. لكن السوسدي ورويشة وقبلهما فنانون كبار يستحقون منا أكثر من وقفة.. أكثر من برقية تعزية..
مات السوسدي ورويشة .. وكل الكلمات عزاء صادق.
الصباح 24 جريدة إلكترونية مغربية