كتبه: د. يوسف الحزيمري؛ عدل موثق وأستاذ باحث
خاض عدول المملكة الشريفة إضرابات متتالية أواخر شهر أكتوبر وبداية نونبر لتبليغ صوتهم ومطالبهم للوزارات الوصية ونواب الأمة أولا، والرأي العام الوطني ثانيا، مطالبين بتعديل المادة 8 من مشروع قانون المالية 50.22 لسنة 2023م، والتي نصت في بندها الثاني على أن يتم إبرام الوعد بالبيع وعقد البيع النهائي للسكن الاجتماعي المدعم من قبل الحكومة لدى موثق، بصيغة تمييزية وإقصائية لا دستورية لباقي المحررين الرسميين العدول وغيرهم.
إن القانون التنظيمي رقم 13-130 لقانون المالية في مادته الأولى يحدد عمل قانون المالية في الآتي: “يحدد قانون المالية، بالنسبة لكل سنة مالية، طبيعة ومبلغ وتخصيص مجموع موارد وتكاليف الدولة وكذا التوازن الميزانياتي والمالي الناتج عنها. وتراعى في ذلك الظرفية الاقتصادية والاجتماعية عند إعداد قانون المالية وكذا أهداف ونتائج البرامج التي حددها هذا القانون”.
كما ينص في المادة السادسة على أنه: “لا يمكن أن تتضمن قوانين المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وبمراقبة استعمال الأموال العمومية”
فكما تم إسناد اختصاص توثيق الوعد بالبيع والبيع النهائي للسكن الاجتماعي المدعم من طرف الحكومة إلى للموثقين وحدهم بصورة احتكارية، ما المانع أن يكون القانون المالي السنوي هو الأساس التشريعي الهادف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل بمنح العدول آلية الاحتفاظ بالودائع، هذا ما يريد السادة العدول معرفته، ومعهم المواطن المغربي الذي قيدت حريته في اختيار المرفق التوثيقي الملائم له.
أما التحجج بأن العدول لا يتوفرون على حساب الودائع بصندوق الإيداع والتدبير فلا يعفي المشرع من صياغة مادته بعدالة تشريعية تضع المحررين الرسميين على قدم وساق وتترك بينهم مجال المنافسة الشريفة، وكذا تحترم حرية المواطن المغربي في حقه للولوج إلى أي مرفق توثيقي يختاره، علما أن حساب الودائع ليس مطلبا مهنيا صرفا بقدر ما هو مطلب وطني دستوري حقوقي، فمن باب المساواة والتمثيل السليم لمقتضيات الدستور وحفظ الحقوق والمراكز القانونية للمواطنين تمكين السادة العدول من حق الإيداع والذي وجد أساسا لحفظ الحقوق وليس للحد من حرية التعاقد لدى المواطنين في اختيار الجهة التوثيقي وعدم الحجر عليه.
وهو ما طالبت به لجنة الحوار للهيئة الوطنية للعدول مع الوزارة الوصية حول مشروع قانون التوثيق العدلي الموضوع حاليا لدى الأمانة العامة في انتظار دوره في المناقشة والمصادقة، حيث تم الاستجابة له من طرف الوزارة.
إن ما يقوم به السادة العدول من توثيق المعاملات العقارية والتجارية، وتقريب الإدارة من المواطن في شتى ربوع المملكة من حواضر وقرى ومراكز نائية، وما يتميزون به من خاصية التوجه في الإشهادات ينبغي أن يأخذ من قبل المشرع باهتمام تام وواع خصوصا وأن السيد رئيس الحكومة في منشوره عدد 16/2022 بتاريخ 03/08/2022 بمثابة المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2023
أكد على أنه: “ستعمد الحكومة، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2023، إلى مواصلة كافة الأوراش الكبرى لإصلاح الإدارة، وخاصة منها ما يتعلق بالحكامة الجيدة، وتبسيط المساطر، والرقمنة، وكذا التسريع بتنزيل ورش اللاتمركز الإداري، بما يضمن تقريب الإدارة من المواطن والمقاولة، والرفع من مردودية المرافق العمومية ومن جودة خدماتها”
إن السادة العدول يتوفرون على مؤهلات قانونية وتكوينية وشهادات عليا (ماستر ودكتوراه)، تمكنهم من تدبير عملهم مع صندوق الودائع، وقد أبانوا عن تلك المؤهلات مع التسجيل الإلكتروني للعقود واستخدموها بنجاح تام أشادت به مديرية الضرائب الوطنية
وإنه ليس للعدول عدواة مع أي جهة توثيقية أخرى؛ بل العكس يطالبون بالمنافسة الشريفة التي تصب في خدمة المواطن المغربي والحفاظ على الأمن التعاقدي، بل ويشتغلون بالمتاح لهم ويبينون يوما عن يوم مدى كفاءتهم ومسايرتهم للتطور التكنولوجي والرقمي في مجال المعاملات.
بعكس الآخر الذي ما إن خرج العدول إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم ومناهضتهم للريع التشريعي، حتى أصدروا بيانات استنكارية من مختلف مجالسهم تمس السادة العدول بالاسم وتتهمهم بالاستيلاء على اختصاصاتهم، فمن يا ترى أحق بالاستنكار مهنة ضاربة بجذورها في تاريخ المغرب تعكس هويته وحضارته، تتعرض لأقسى صور التهميش والحيف والإقصاء، أم مهنة ظهرت بداية القرن الماضي.
لا نحتاج أن نذكر المغاربة بما يحظى به السادة العدول من احترامهم وتقديرهم، وقيمة في حياتهم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، فالواقع كاف للشهادة على ذلك، والتاريخ يتحدث بذلك أيضا، ومن ثم وانطلاقا من هذه الأهمية، فقد حظيت [خطة العدالة] بعناية كبيرة من ملوك الأمة وأمراؤها وباهتمام خاص واعتبار متميز، ولاسيما ملوك الدولة العلوية الشريفة، الذين ما فتئوا يصدرون ظهائر شريفة ومراسيم جليلة لتنظيمها، راسمين لها قواعد شرعية وضوابط مرعية مستوحاة من نصوص الشريعة وروحها، وواضعين لها مسطرة خاصة سواء من حيث الانخراط فيها أو من حيث ممارستها وكيفية تطبيقها..” كما ورد في ديباجة قانون خطة العدالة.
إن السادة العدول عبر ربوع المملكة الشريفة واعون بما يحاك في الظلام ضدا على هذه المهنة الشريفة، ومستعدون للدفاع عنها بكل غال ونفيس لأنها ليست مورد رزقهم فحسب؛ بل هي تاريخهم وحضارتهم وهويتهم.
الصباح 24 جريدة إلكترونية مغربية